الإرهاب .. حرب لحرق الأوطان

488

جنى اخبار – فارس حباشنة .

حوادث الإرهاب التي وقعت في مصر قبل ايام كشفت عن اسئلة عميقة لما قبل وبعد هذا النمط من الارهاب المتجول.

الجريمة الكبرى في تاريخ العنف الطائفي المصري، هل كانت تستهدف مصر أم الاقباط ؟ ولربما أن واحدة من المرجعيات التنظيرية لجماعات الارهاب هي حرق « الأوطان « ومحوها، وليس أقل من مجال ما تتعرض اليه دول كسوريا والعراق وليبيا.

طابع ونمط ارهابي يفرض نفسه، وسط ضوجان وحيرة وتيه في تحديد هوية الارهاب ومن يقف وراءه، وثمة غشاوة لا تخفى على اعين المراقبين لشؤون الارهاب في خلخلة بنى الارهاب التنظيمية والعقائدية، وأكثر ما يبدو أن الانظمة السياسية العربية تتعامل مع ملف الارهاب بـ»القطعة «، فالتطرف يتجاور مع العنف والاستبداد السلطوي، والانظمة السياسية العربية تتعدى في بناء الدولة عن الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة وافكار وقيم الدولة الحديثة.

عصابات التطرف نجحت في الانطلاق من الاسفل نحو الاعلى، خطابها المتطرف تسيد في المساحات اللامرئية التي يغيب عنها عدل الدولة، المتطرف مجذوب لبناء مملكة قائمة على فكرة يصدقها ويعتقد بها كأنها هي الخلاص الابدي، يقاتل من أجلها وبقوة تساوي عقلية محاربي العصور الوسطى والحروب الدينية.

هي فكرة ينجر اليها مؤمنون بمحو الأوطان وأكلها، فرق تبحث عن ادوار لها تحت شمس الظلام وانسداد افق العدل، تباع الاوطان مقابل ارضاء عقيدة جديدة فوق وطنية حارقة للهويات الوطنية وعابرة لتقسيم العالم ليس على حسابات مقياس «جرفار « الرسم الجغرافي : شمال وجنوب وشرق وغرب إنما مومنون وكفار.

حتى الان، بكل ما انتج من ارهاب، فان الانظمة الرسمية العربية لا تحاربه على أنه قوى ظلامية ورجعية وكذبة تاريخية وتخريف سياسي لجماعات مصابة بالعمى بل لانه منافس على السلطة، وتطرح قوى التطرف نفسها بانها بديل موضوعي لانظمة متهالكة، ولذا نرى في التعامل مع الارهاب مساحات واسعة من الصمت المطبق في محاربته ومواجهته ولو باضعف الايمان.

خطاب الارهاب يعيش ويعاد انتاجه على شاشات التلفزة ومنابر الاعلام والمؤسسات الدينية، وترى التطرف يعيش ويربو على اكتاف السلطة ومؤسساتها، يتجول المتطرفون من حولنا ويبثون رسائلهم المتفجرة كل يوم على مسامع جمهور حائر وتائه وضائع ومفرط بالاسراف في انتظار مستقبل ما، ولربما هذا هو الخطر الحقيقي لأي ارهاب لانهم يعيشون بيننا، ويلعبون على كل حلقات التجانس والتعايش والسكينة في المجتمع ليفرضوا اراءهم وافكارهم حول الوطن والمواطنة والهوية.

وليس أكثر ما نسمع من خطاب يروض المجتمع للهويات الجماعية المستقلة « مسلم ومسيحي « أو على سيادة المذهب : « شيعي وسني «، وأن اشكالية الصراع في المجتمعات ليست بحثا عن العدل والحرية والمساواة انما هوياتية وطائفية يبحث في مجالها كلٌّ عن نصيبه ابن الطائفة والمذهب والجماعة الدينية مهما كان مشربها العقائدي.

الارهاب ليس مجرد عملية قتل او تفجير، انما اسوأ ما يتجلى بصوره عندما يخيم على المكان، وتحقق افكاره السوداء والمتطرفة سيطرتها على حياة الناس، وتشتعل الافكار التي تصور الناس بانهم يعيشون في زمن الخطيئة والتكفير، وينتظر هؤلاء عودة زمن فائت، وتلك ليست مجرد عقائد وافكار انما تصورات لاشكال سياسية ترتبط بمشروع ينتظر الفرصة الموضوعية المواتية لتحقيقه على الارض، في زمن جفت فيه الصور السياسية الوطنية والقومية والانسانية.

ثمة ما يجبرنا على موضعة صور الارهاب السوداء والمرعبة بقوالب أكثر واقعية، حتى نذهب في التفكير نحو المستقبل انطلاقا من الواقع المحصن بالخوف والقلق والرعب. المعركة ضد الارهاب هي معركة حياة، داخل ما ينتج من جحيم يستعر في عالمنا، نبحث عن طرق انجع وافضل لتسريب ما امكن من الحياة.

ولربما أنه لاول مرة في تاريخ المنطقة تغرق دول ومدن بهذا الكم الهائل من الدم والعنف اللامتناهي بدءا من سوريا والعراق الى اليمن وليبيا وما يتناثر من ارهاب في مصر والاردن وبلدان اخرى، ولا نرى في مواجهة الارهاب على الارض الا حلولا رخوة تترك للخراب بان يتشفى في الديار العربية دون أي ادنى مقاومة ومواجهة.

(الدستور)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.